خليل الصفدي

390

أعيان العصر وأعوان النصر

ذلك أدار الطنبغا رأس فرسه إلى مصر ، وتوجّه هو والمذكورون على حميّة إلى مصر . ولما قاربوها جهّز دواداره قراتمر إلى قوصون يخبره بوصولهم ، فجهّز إليهم تشاريف وخيولا ، وبات على أنه يصبح فيركب لملتقاهم ، فأمسكه أمراء مصر وقيّدوه ، وجهّزوه إلى إسكندرية - على ما سيأتي إن - شاء اللّه تعالى - في ترجمته ، وسيّروا تلقّوا الطنبغا ومن معه ، وأطلعوهم القلعة ، وأخذوا سيوفهم وحبسوهم ، ثم بعد يومين أو أكثر جهزوهم إلى إسكندرية ، ولم يزالوا هناك إلى مجيء الناصر أحمد من الكرك . وجاءت عساكر الشام ، واستقرّ أمر الناصر أحمد ، فجهّز الأمير شهاب الدين أحمد بن صبح إلى إسكندرية ، فتولّى خنق قوصون وبرسبغا والطنبغا وغيرهم في الحبس في ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة ، أو في شهر شوال . ويحكى أنه ما جزع عند الموت ، بل توضّأ وصلّى ركعتين ، وقعد ولفّ ذقنه بيده ، ووضعها في فيه ، واستسلم لوضع الوتر في حلقه ، وصبر لأمر اللّه تعالى وقضائه في خلقه ، وبشّ للذي أتاه وخنق ، وتلقاه بالرضى من غير حنق . وكان - رحمه اللّه تعالى - خبيرا بالأحكام ، طويل الروح على المنازعات والخصام ، قد درب الأمور وجرّبها ، عمّر الوقائع وخرّبها ، وباشر الحصارات ، ودخل إلى بلاد سيس في الإغارات ، ورتّب الجيوش وصفّها ، وقدّمها وقت الفرصة وعند الخطر كفّها ، ودخلها مرات يجتلب ما تحويه ويحتلب ، ويجعل عليها سافلها والناس قالوا : سيس ما تنقلب . وكان الطنبغا رمّاحا طبجيّا ، يرمي النشاب ، ويلعب بالرمح ، ويضرب الكرة ، وتقاد له الفروسية في برة ، ولم يرم أحد في بيت السلطان جنبه إلى الأرض ، ولا جعل طوله إذا صرعه وهو عرض . وكان لا يدّخر شيئا ، ولا يستظل من الجمع فيئا ، ولا يعمر له ملكا ، ولا يجرى له في المتاجر حيوانا ولا فلكا ، وانفصلت في أيامه بدور العدل قضايا ، مرت السنون عليها ؛ لظلام أمرها ، وغموض سرّها ، وخفاء الحقّ فيها لدقّته ، وغلبة الباطل وعموم مشقّته ، وموت الخصوم في تمادي الحال وعدم الناصر ، ورؤية المالك ثمار منافعها وباعه عنها قاصر . وعلى الجملة كان فريدا في أبناء جنسه ، مالكا بالصبر أمر نفسه ، إلّا أن سفك الدماء عنده أمر هيّن ، وإزهاق الروح لا يعبأ به بأمر بيّن أو غير بيّن ، فلذلك ما رزق سعادة في

--> - ( انظر : الدرر الكامنة : 1 / 386 ) .